صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

205

تفسير القرآن الكريم

ومثال هذه الحكاية إن رجلا شيخا من الجهّال الذي كان بليدا في أصل الفطرة ، فاشتغل في أيام عمره بشيء من العلوم التي لا تسمن ولا تغني ، ثمّ تصدىّ للأمور الدنياوية كالقضاء وتولية الأوقاف وغيره من الأعمال التي يتقلّده المشبّهين بأهل العلم في أكثر الأزمان - من غير استيهال - وهذا الشيخ الجاهل البليد لم يتعلّم أيضا من المقدمات شيئا يعول عليه في اكتساب العلوم اليقينية ، ولم يمارس المقاصد الإلهية أصلا ، فيقول لعالم رباني ارتاضت نفسه بفنون من العلوم العقلية وغيرها : « أفض على قلبي من دقائق علومك الإلهية » . فيقول : « إن اللّه حرّمه على الجاهلين » . معناه : إن الاستعداد لقبوله إنما يكتسب بذكاء أصلي وممارسة طويلة ، بعد تعلّم ما يتوقف عليه من العلوم الأدبية وغيرها مع اخلاص في النيّات وتنزّه عن الفحشاء والمنكر والبغي - من الأغراض الشهوية والغضبية والشيطانية - وإذا بطل الاستعداد وفاتت المناسبة الأصلية فاستحالت الاستفاضة وحرّمت كما يستحيل إفاضة العلوم العقلية على أجسام البهائم والسباع التي لا شغل لها سوى طاعة الشهوة والغضب التي أمر بها نفوسها ، لأن الناطقة التي خدمت القوة الشهوية منزلتها منزلة أبدان البهائم المطيعة لنفوسها بل أنزل منها رتبة - كما بينّاه في تفسير قوله تعالى : أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [ 7 / 179 ] . وأما قوله تعالى : فضرب بينهم بسور له باب - إلى آخره - فهو مثال لصورة الشريعة الحقة التي ظاهرها حصن يحرس الناس عن المقاصد والأعمال القبيحة والعقائد الباطلة ومن تطرّق إغواء المضلّين والشياطين من أهل البدع والمذاهب الجاهلية . وباطنها أسرار حقة وأنوار محضة بها يصل العبد إلى رحمة اللّه ورضوانه ، فالشريعة سوط اللّه بها يسوق عباده إلى رضوانه ، فمن نظر إلى صورة السوط التي لأجل تأديب المستعدّين لم ير منه إلا عذاب أليم ، ومن نظر إلى الغرض المكمون في باطنه يعلم إنه محض الشفقة . كذا من اغترّ بظواهر الشريعة من غير تدبّر في أسرارها وبواطنها لم ير فيها